افتتاحية

الـ”فاعور” اللبناني الذابل

رحم الله ابا الطيب المتنبي فقد خلد فينا حكما و امثالا لا تفنى و لا تموت
و إذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل .
لن أخوض في ماض كريه و لن أتعرض لعرض ضائع و لا لضمير مريض عدى و اعتدى بغير حق على قمة تطاول السماء ، و لو كان المعري حيا فينا لاعاد صرخته في الكون قائلا :
اذا وصف الطائي بالبخل مادر
و عير قسا بالفهاهة باقل
قال السها للشمس أنت خفية
و قال الدجى للصبح لونك حالك
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
يشهد التاريخ و يحكي بلسانه الطويل معجزة المنكب البرزخي ، و يقص اخباريوه أصالة أهله و شجاعتهم و كرمهم و حفظهم و اضافاتهم الهائلة للفكر و الثقافة العربيين ، و كانت الخيمة أيقونة الحياة عندهم ، و هي منزل مفتوح من كل الجهات يلجه من ايها شاء سائل القرى و طالب العلم و المستنجد المفزوع، ليصافح بداخلها الكرم الحاتمي و علم علي و ابن عباس و بسالة عمر .
فنحن ركب من الاشراف منتظم
أجل ذا الخلق قدرا دون ادنانا
قلائد المجد في أعناقنا نظمت
عقدا و كنا لعين الدهر انسانا .
و قد دلفت إلى خيامنا منذ مطلع القرن الماضي أفواج من مختلف جهات العالم بينهم اعداد كبيرة من اللبنانيين شردتهم الحروب الأهلية و صروف الزمن و قهر الظروف ، عانقناهم بالعلم و الكرم و بالواجب و حق الرحم ، منهم من لا يزال معنا و إلى اليوم أخوة معززين يتنفسون عبق تربيتنا و يجمعون عيران الاموال من حسن تعاملنا و ايثارنا .
لم تكن الخيمة سوى حاضنة لقيم اصيلة ماتت هناك في الفنادق الفخمة و فاحت روائح اغتيالها من تلك النفايات النتنة و من زبالات العهر و الصهينة و العمالة .
لم تكن الخيمة يوما مذمومة في ثقافة العرب التي علمتنا و شوقتنا نحن الشناقطة إلى عهود البداوة بكل روائحها الطاهرة الزكية و عبق مروجها و كرومها الزاهي .
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
و في البداوة حسن غير مجلوب .
و يشاء الله أن يكون ألق شنقيط و تألقها في سماء التاريخ أمرا مشهودا ، و أن تكون امجادها المضيئة و مواقفها المبدئية من قضايا الأمة و أحداثها و طموحها النبيل – بما فيه جمعها للاشقاء في خيمتها – كلها شواهد حال على أن هذا الحاضر الابلج استمرار لماضي لم يتوقف أهله عن العطاء في اقل الاحوال مواتاة و لم يعقهم عن نصرة الامة و الدين حد او مستحيل .
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة
بها نبين دين الله تبيانا .
فمدارسنا على ظهور الجمال ادخلت اللغة و الدين إلى عوالم أخرى و غزت بالتي هي احسن حالك الكفر و غبش الرطانة و العجمية.
إن روائح الندى و استنشاق شذى القطر المتساقط من سمائنا المبتسم هذه الايام منظف و علاج يطيب به التداوي من روائح المتفجرات و القنابل و الأوساخ و الخراب ، و الخوف منه يشبه فزع المجانين و نفور المدمنين من جلسات الاستشفاء .
نتمنى للبنان أن تعود لدفئ الاصالة و تفيق من غفوتها و تطاولها على العز الشامخ و ان تتعافى من أورامها الخبيثة و تزول عن سمائها غمة الادران و روائح القمامات المقرفة ، و أن تخمد فيها أصوات التنافر و السكاكين و التناحر الطائفي الاهوج ، و أن تعطي أرضها نخلا و زيتونا ، و تجود بالاقحوان و تينع بها الورود ، و أن تجف فيها الفعارير و تذبل لان الفاعور ضرب من النبت يسمى الهيش عديم الفائدة و الجدوى ، و له أضرار لا تعد و لا تحصى .
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ان لموريتانيا تاريخا و حاضرا أبناءا يؤمنون بالوطن ، اسكرهم الوجد و التيه به ، و يعترينا جنون الحب كلما رامه أحد بالاساءة أو السخرية و الابتزاز ، و نستلذ في سبيله ركوب المخاطر و مقارعة الصعاب ، و لا نهاب الموت الحاسر عن رأسه .
قد بلينا بحب شنقيط
حتى سقط البعض ميتا و قتيلا

الشيخ التيجاني عبود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى