
عطفًا على تدوينتي السابقة الموجّهة إلى كبار المناضلين من شريحة لمعلمين ، والتي دعوت فيها إلى استئناف التشاور الجاد حول حاضر حراكنا ومستقبله ، أجد من الوفاء للفكرة ، ومن مقتضيات النَّجدة النضالية ، أن أجدّد النداء وأضع بين أيدي الإخوة بعض ملامح المبادرة التي دعوت إليها.
لم تكن دعوتي إلى اجتماع المناضلين ترفًا سياسيًا ، ولا ضربًا من المراء الذي لا يفضي إلى طائل ، وإنما كانت محاولة لاسترداد زمام المبادرة ، وإعادة ترتيب البيت النضالي على قاعدة من الرشد والتجرد وحسن التدبير.
لقد قلت ( وما زلت أقول ) إن المرحلة تقتضي منا أن نغادر مربّع الترقب إلى فضاء الفعل ، وأن ننتقل من تفرق الجهود إلى ائتلافها ، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرة.
ومن هنا أقترح أن ينطلق النقاش من محاور واضحة :
أولًا : تشخيص واقع الحراك تشخيصًا صريحًا لا تدخله المواربة ، ولا تحجبه المجاملة ، ولا تستبد به الشخصنة.
ثانيًا : مراجعة التجربة السابقة بما لها وما عليها ، واستجلاء مواطن القوة ومكامن الخلل ، حتى لا نعيد إنتاج العثرات نفسها.
ثالثًا : بلورة رؤية مشتركة للمرحلة القادمة ، تحدد الأولويات والوسائل والآليات ، وتجمع بين صلابة الموقف وحصافة التدبير.
رابعًا : إنشاء إطار تنسيقي مؤقت من خيرة المناضلين وأشدهم حرصًا على القضية ، تكون مهمته جمع الكلمة والإعداد للقاء موسع ، دون أن يتحول إلى بديل عن الحراك أو وصيّ على مناضليه.
خامسًا : عقد لقاء جامع يكون فيه القول لمن حضر ، والرأي لمن اجتهد ، ثم الخروج بخارطة طريق واضحة ، تحفظ للحراك وحدته وتمنحه قابلية أكبر للفعل والتأثير.
وهذه ( في نظري ) ليست دعوة إلى بعث الماضي كما هو ، وإنما إلى استخلاص مأثرته ودروسه ، ثم تشييد مرحلة جديدة بعقل أكثر نضجًا وإرادة أكثر صلابة.
وقد سرّني أن أجد لهذه المبادرة صدى طيبًا لدى عدد من الإخوة الذين تواصلوا معي وأبدوا استعدادهم للمشاركة فيها وتبنّيها ، ولا سيما أولئك الشباب الذين رأيت في حماسهم صدقًا ، وفي اندفاعهم رغبة حقيقية في خدمة القضية.
وهؤلاء الشباب بالنسبة إلينا ليسوا مجرد رَهْطٍ جديد ينضم إلى المسيرة ، بل هم عدّة المستقبل وذخيرته ، إذا وجدوا من الخبرة ما يهدي حماسهم ، ومن الحكمة ما يصقل اندفاعهم ، ومن الإطار الجماعي ما يحول طاقتهم إلى فعل مؤثر.
ومن أكثر ما أسعدني وحفزني اتصال الأخ الأكبر والمناضل الشهم محمد الأمين ولد ابراهيّم بي ليلة البارحة.
لقد كان اتصاله بالنسبة إليّ بمثابة نفخة في رماد ، فإذا بالجمر الكامن يستعيد أُواره ، وإذا بقبس النضال يتقد من جديد في كنف الصدر.
وبعض الرفاق لا يحتاجون إلى كثير كلام ؛ يكفي حضورهم في لحظة معينة حتى تسترد الذاكرة شيئًا من عنفوانها ، ويستعيد القلب بعضًا من سالف العزم.
لقد ذكّرني اتصال الأخ محمد الأمين بأن جذوة النضال لم تنطفئ ، وإنما ربما غطاها رماد الانشغالات ، وأن في هذه الساحة رجالًا ما زالوا يحتفظون في صدورهم بجمرة القضية ، وإن باعدت بينهم الظروف وتصرّمت بينهم الأيام.
وهنا أقول بوضوح :
لسنا بحاجة إلى بعث الخصومات ، وإنما إلى بعث الهمم.
لسنا بحاجة إلى اجترار ما فرّقنا ، وإنما إلى البحث عما يمكن أن يجمعنا.
وليس مطلوبًا من المناضلين أن تتطابق آراؤهم ، فذلك مما لا يكون ، وإنما المطلوب أن يتسع صدر بعضنا لبعض ، وأن يكون اختلاف الرأي مدعاة للرشد لا ذريعة للقطيعة.
فالقضية أكبر من الأشخاص ، والحراك أوسع من الأسماء ، والمسؤولية التي حملناها منذ البداية ليست مِلكًا لأحد حتى ينفرد بها ، ولا إرثًا شخصيًا يتوارثه الأفراد.
إنها أمانة ، ومن حمل الأمانة وجب عليه أن يؤديها بما تقتضيه المروءة والسؤدد ونكران الذات.
وأنا من موقعي : أمد يدي إلى كل مناضل صادق ، قديمًا كان أو حديث العهد بهذه المسيرة ، وإلى كل شاب يرى في هذه المبادرة فرصة لاستعادة روح العمل الجماعي.
فلا ينبغي أن ندع وَثاق المِرْية والشك يعقد ألسنتنا ، ولا أن نترك فتور الأيام يطفئ ما أوقدته سنوات النضال.
لقد آن أوان استنهاض العُصبة الصادقة ، وجمع الكلمة ، وإعادة الاعتبار للتشاور.
وما دام في الصدور بقية من عزم ، وفي السواعد بقية من قدرة ، وفي النفوس بقية من إخلاص ، فإن المسير لم ينقطع.
ولعل هذه اللحظة تكون إرهاصًا بمبتدأ جديد ؛ لا نلغي فيه ما مضى ، ولا نقدّسه ، بل نستخلص منه العبرة ونمضي.
فالمعركة الحقيقية ليست مع الماضي ، وإنما مع الجمود.
والرهان ليس على كثرة الكلام ، وإنما على صدق العزم وحسن التدبير.
فلنجتمع.
ولنتشاور.
ولنضع خلافاتنا جانبًا.
ثم لنرسم ، برويّة أهل الرأي وعزيمة أهل النُّهى ، خارطة الطريق التي يستطيع حراك لمعلمين أن يمضي بها إلى غده مرفوع الرأس ، موحّد الصف ، واضح المقصد.
فما أحوجنا اليوم إلى كلمة تجمع ، وعقل يدبّر ، وقلب لا يخبو فيه أُوار النضال.
والله من وراء القصد.
* إحمودي الصديق
رئيس حراك لمعلمين عهد جديد



