
ما كلُّ منصبٍ يرفع صاحبَه ، ولا كلُّ تأخيرٍ يُبطل حقًّا ، ولا كلُّ استحقاقٍ يُدرك في أوانه ؛ فكم من ذي نجابةٍ ظلّ ينتظر إنصاف الأيام ، حتى إذا أقبلت عليه الدولة بما يليق بمقامه ، بدا التعيين كأنما هو ردٌّ لبعض الحق إلى نصابه ، وإزاحةٌ لغبار الإرجاء عن وجه الاستحقاق.
بهذه الروح ، وبكثير من الاعتزاز والغبطة :
أتقدّم إلى أخي محمد ولد ببانة بأحرّ التهاني وأصدق التبريكات بمناسبة تعيينه وزيرًا للثقافة في الحكومة الجديدة ، وهو تعيينٌ طال انتظاره ، واستبطأته النفوس التي تعرف للرجل قدره ، وللكفاءة معدنها ، وللحنكة السياسية وزنها في موازين الرجال.
لقد كان محمد ولد ببانة ( بما اجتمع له من مؤهلات علمية ) ومكانة اجتماعية وازنة ، ودُربة سياسية ، وحصافة رأي ، أهلًا لهذا المقام منذ أمد ؛ فما ناله اليوم ليس طارئ فضلٍ ولا عارض حظّ ، وإنما هو استحقاقٌ تأخّر إبانُه ، ولم يتقادم برهانه.
وإن من جميل السياسة أن تُصيب أهلية الرجل موضعها ، ومن محاسن التدبير أن يُستعان بأهل الكفاية حين تشتد الحاجة إلى الخبرة وحسن التصريف.
وإذا كان هذا التعيين موضع تهنئة ، فإنه كذلك باعثٌ على التذكير بمسيرة رجلٍ لم تكن منازلها وليدة المصادفة ، ولا ارتقاؤها ثمرة الدَّعوى المجردة ، بل جاءت عبر مسارٍ مهني ودبلوماسي حافل بالتجربة وتراكم الخبرة.
فمنذ انتخابه نائباً في البرلمان فتعيينه قنصلًا في جدة ، مرورًا بمهمته سفيرًا في ليبيا ، ثم اضطلاعه بالتمثيل الدبلوماسي في الدوحة ، ظلّ الرجل يخوض غمار المسؤولية ، ويجتاز عقابيل العمل العام ، مستندًا إلى ما عُرف عنه من دأبٍ لا يفتر ، وخلقٍ كريم ، وحسن معشر ، وقدرةٍ على مدّ جسور التواصل وصيانة أواصر الاحترام.
وما أراه جديرًا بالتنويه في هذه المسيرة ليس تقلُّد المناصب وحده ، فالمناصب يطول بها المقام ويقصر ، وإنما ما يصحبها من سيرةٍ حسنة ، وما يخلّفه صاحبها من أثرٍ طيب ، وما يستبقيه في نفوس مخالطيه من مودةٍ وتقدير.
فحسن الخلق زينة ذي السلطان ، ولين الجانب من شيم ذوي المروءات ، والجدّ في العمل أمارة من أدرك أن المسؤولية أمانةٌ لا مَغنم ، وتكليفٌ لا تشريف فحسب.
ولأنني أتحدث هنا عن أخٍ وصديق تجمعني به علاقة شخصية ، فإن شهادتي فيه ليست كلامًا تمليه مناسبة عابرة ، ولا ثناءً تستدرجه فرحة التعيين ؛ بل هي كلمة يبعثها الودّ الذي عرفته ، والتقدير الذي رسخ في النفس ، وما يجمع محيطنا العائلي من أواصر القربى والمودة ، وهي روابط تمنح التهنئة معنى يتجاوز المجاملة إلى الاعتزاز برجلٍ نرجو له مزيدًا من الرفعة والتوفيق.
وإني إذ أبارك لأخي محمد هذه الثقة ، لأرى فيه الرجل المناسب للمهمة التي أُسندت إليه ، وإن ظلّ المكان ، في بعض وجوهه ، دون ما نرجوه من إصلاحٍ وتطوير.
فوزارة الثقافة ليست حقيبةً إدارية تُدار بالروتين ، ولا واجهةً بروتوكولية تُستوفى فيها المراسيم ، بل هي حاضنة الذاكرة الوطنية ، ومرآة الهوية الجامعة ، ومجال صيانة التراث ، وإنعاش الإبداع ، وإعلاء شأن اللغة والفنون ، وإفساح المجال أمام المواهب التي لا ينقصها العطاء بقدر ما ينقصها الاحتضان والإنصاف.
وهنا ينعقد الرجاء على أن يحمل الوزير الجديد إلى هذا القطاع ما عُرف عنه من حصافةٍ ومثابرة ، وأن يجعل من الثقافة شأنًا وطنيًا جامعًا ، لا ترفًا مؤجلًا ولا نشاطًا موسميًا ؛ وأن ينفذ إلى مكامن الخلل ، ويستنهض همم المبدعين ، ويمنح التراث الموريتاني ما يستحقه من عنايةٍ وتوثيق ، ويقرّب المؤسسات الثقافية من الناس ، ويجعل الكفاءة والجدارة ميزانًا في إسناد المسؤوليات وإتاحة الفرص.
ولعلّ أجمل ما في هذه اللحظة أن التهنئة لا تنفي التطلع ، وأن الفرح بالتعيين لا يعفينا من انتظار العمل والإنجاز ؛ فالمحبة الصادقة لا تكتفي بتعداد المناقب ، بل تتمنى لصاحبها أن يزداد بها رفعةً ، وأن يترك في منصبه أثرًا يشهد له بعد انقضاء الولاية ، ويجعل من الثقة التي مُنحت له عهدًا مع الوطن والمواطنين.
أخي محمد ولد ببانة ، هنيئًا لك ما استحققت ، ومباركٌ عليك ما أُسند إليك.
لقد طال انتظار هذا المقام ، لكن الأيام ، وإن أبطأت ، لا تحجب دائمًا شمس الكفاءة.
نسأل الله أن يجعل التوفيق رفيقك ، والسداد دليلك ، والإخلاص زادك ، وأن يكتب لك في هذه المسؤولية فتحًا في الإنجاز ، وحسنًا في الأثر ، وطيبًا في الذكر.
من مزيد التألق إلى مدارج النجاح ، ومن حسن السيرة إلى جميل الأثر ، ومن شرف المنصب إلى شرف ما يُنجز فيه.
ألف مبارك أخي محمد ؛ فأنت أهلٌ للمسؤولية والرجاء فيك كبير.
بقلم : إحمودي الصديق



