Uncategorizedالأخبار

أحمد السيد يكتب:  خريف اللوكَه.. ذاكرة المكان

هذه الصورة المرفقة من خريف اللوكَه، حاضرة البظان الجنوبية، وبلدة المنشأ وموطن البدايات الأولى في حياة هذا العبد الفقير؛ بلدةٌ لم تكن مجرد مكان، وإنما كانت زمانًا كاملًا من العمر، وذاكرةً لا تزال خضراء كأرضها بعد المطر.

وصل والدنا، محمد ولد السيد، رحمه الله تعالى، إلى اللوكَه سنة 1945، في زمن الحرب العالمية الثانية، فاستقر بها، ومارس تجارة المواشي، وفتح بيته العامر للضيافة، وبسط يده للفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة. وكان بذلك أولَ مغتربٍ من القبيلة يستقر في هذه الربوع، ويجعل من اللوكَه وطنًا للعيش والكرم.

وكانت اللوكَه يومها في عصرها الذهبي؛ ملتقىً للقبائل والجهات، ومجتمعًا تتجاور فيه مختلف مكونات البظان، حتى غدا لكل وافد إليها نصيبٌ من روحها، وتشكل، لفترة من الزمن، نسيجٌ اجتماعيٌّ خاص عُرف بـ “أهل اللوكَه”. حتى إنك إذا سألت في نواكشوط: “هذا من هو؟” قيل لك ببساطة: “واحد من أهل اللوكَه”؛ وكأن اللوكَه، ولو إلى حين، كانت قبيلةً تتسع للجميع.

كانت اللوكًه تمزج، في مشهدها الفريد، بين الحضر والبادية؛ الخيام منصوبة، وجموع التلاميذ تغص بها الحاظر، والعادات والتقاليد الموريتانية حاضرة في تفاصيل الحياة، وقطعان الإبل والبقر والغنم تسرح في المروج، وأدوات البادية القديمة حاضرة بأسمائها وملامحها: (أدرس)، و(التاديت)، و(أنمراي).

ومما لا يعرفه كثيرون أن اللوكَه كانت مولدًا ومنشأً لرئيسين من رؤساء موريتانيا، كما كانت مسقط رأس الرئيس السنغالي الأسبق عبدو ضيوف، ومكان نشأته وسكنه.

وكانت ملتقىً لأعلام الأدب والشعر والفن، كما كان للحضرة الصوفية حضورها ووهجها. ولا يمكن أن يمر الحديث عن ذلك دون ذكر جارنا وصديق الوالد، الشيخ محمد المعلوم ولد حسن ولد الشيخ سعدبوه، (أمان)، وأسرة أهل أجيه.

وما دام الحديث هنا عن اللوكَه عاصمة “أنجانبور”، فلا بد من استحضار عالم المال والتجارة الذي مثله، من بين غيرهم، “رجلي” الشرفاء الكرام أولاد بسباع.

تلك هي اللوكَه التي عرفناها؛ حاضرةً جمعت الناس قبل أن تجمع البيوت، وذاكرةً امتزجت فيها الخيمة بالمدينة، والشعر بالتجارة، والتصوف بالكرم، والبادية بالحضر.

وبرؤيتي اليوم لهذه الصورة من خريف اللوكًه وقد اخضرّت الأرض ولامسها المطر، أشعر أن شيئًا من طفولتي الأولى ما يزال هناك؛ تحت خيمةٍ قديمة، أو في ظل بيتٍ عامر، أو بين خطى الرجال ووقع الماشية… ينتظر عودةَ هذا العبد الفقير إلى أجمل ما تركه العمر في الذاكرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى