الخطر القادم من الساحل يعيد رسم المعادلة الأمنية.. “حلف موريتانيا – المغرب “و استراتيجية الدفاع المشترك *

تصاعد الإرهاب وتوسع النفوذ الروسي وتراجع الترتيبات الأمنية القديمة يدفعان غرب إفريقيا إلى مرحلة جديدة.. المغرب يعزز موقعه كقوة أمنية إقليمية، وموريتانيا تكتسب أهمية متزايدة في الحسابات الأطلسية.
لم يعد الخطر القادم من الساحل تهديدا محصورا داخل حدوده الجغرافية. فمع تمدد الجماعات المسلحة، واتساع شبكات الجريمة والتهريب، وتراجع الوجود العسكري الغربي في أجزاء من المنطقة، ودخول روسيا وقوى إقليمية أخرى على خط المنافسة، تتشكل تدريجيا بيئة أمنية جديدة تمتد تداعياتها إلى شمال وغرب إفريقيا والأطلسي.
في قلب هذه التحولات يبرز المغرب وموريتانيا باعتبارهما دولتين تملكان موقعا استراتيجيا وقدرات وشبكات علاقات دولية يمكن أن تمنحهما دورا أكبر في مواجهة المخاطر المتصاعدة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن أن ينتقل التعاون بين الرباط وانواكشوط من التنسيق الأمني والعسكري إلى بناء استراتيجية دفاعية مشتركة تستجيب للتحولات الجديدة؟.
المغرب.. من الدفاع عن الحدود إلى بناء القدرات الإقليمية
خلال السنوات الأخيرة، أعاد المغرب تعريف جزء من سياسته الدفاعية على أساس توسيع الشراكات وبناء القدرات، ولم يعد حضوره العسكري في إفريقيا يقتصر على المناورات أو التعاون الثنائي.
فمناورات “الأسد الإفريقي” أصبحت واحدة من أبرز منصات التدريب العسكري متعدد الجنسيات في القارة، بينما يدفع التعاون المغربي-الأمريكي نحو إنشاء مركز إفريقيا للتدريب والتجريب متعدد المجالات في طانطان إلى نقل هذا الدور إلى مستوى أكثر تقدما، من خلال التدريب والتجريب واختبار تقنيات وقدرات عسكرية حديثة.
كما يوسع المغرب تعاونه مع حلف شمال الأطلسي في مجال التعليم والتكوين الدفاعي، مستفيدا من موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته العسكرية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وعدد من الجيوش الإفريقية.
هذه الدينامية تمنح الرباط وظيفة أمنية تتجاوز حماية أراضيها: المساهمة في بناء قدرات شركاء أفارقة وتعزيز جاهزيتهم لمواجهة تهديدات عابرة للحدود.
هنا تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية في النموذج المغربي؛ ذلك أن المملكة تجمع بين مؤسسة عسكرية مستقرة، وخبرة عملياتية، وشراكات دولية واسعة، وبنية متنامية للتدريب والتجريب العسكري.
الساحل.. الخطر الذي يغيّر الحسابات
بسرعة تتغير البيئة الأمنية جنوب موريتانيا والمغرب حيث الجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة تواصل توسيع نشاطها، فيما أصبحت الحدود في أجزاء واسعة من الساحل مساحات مفتوحة أمام الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.
يحدث ذلك ويتصاعد خطره مع تراجع الدور الغربي التقليدي في عدد من دول المنطقة، بينما رسخت روسيا حضورها الأمني، وبدأت قوى إقليمية في إعادة ترتيب حساباتها العسكرية والسياسية.
لم يعد الساحل مجرد بؤرة إرهاب، وإنما أصبح مسرحا لتنافس دولي وإقليمي على النفوذ والأمن.
متغير الذي يجعل أمن موريتانيا والمغرب أكثر ارتباطا بما يحدث جنوب حدودهما.
فأي تدهور إضافي في الساحل قد لا يتوقف عند حدود مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو، بل يمكن أن يضغط باتجاه موريتانيا، ثم المجال الأطلسي وشمال غرب إفريقيا.
موريتانيا.. الموقع الذي يمنحها قيمة إضافية
تقع موريتانيا عند تقاطع ثلاثة فضاءات أمنية: المغرب العربي، والساحل، والأطلسي. وهذه الجغرافيا تجعلها في موقع متقدم لمراقبة التحولات القادمة من منطقة الساحل، وفي الوقت نفسه شريكا مهما للقوى التي تبحث عن موطئ قدم أمني مستقر في غرب إفريقيا.
لهذا السبب، عمّق حلف شمال الاطلسي “الناتو ” توصله مع موريتانيا خلال السنوات الأخيرة، من خلال برامج بناء القدرات الدفاعية والتكوين والتعاون في مجالات الأمن البحري والاستخبارات والقوات الخاصة ومكافحة الإرهاب.
سياسة عكست تحولا في النظرة إلى موريتانيا: من شريك أمني محدود إلى طرف يمكن أن يؤدي دورا في مقاربة الحلف الجديدة تجاه الجنوب.
الأهم من كل ذلك، أن موريتانيا لا تتحرك بمعزل عن المغرب. فالعلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين شهدت خلال السنوات الماضية تطورا في التدريب وتبادل الخبرات والتنسيق، بما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها.
لماذا يصبح التعاون الموريتاني-المغربي أكثر أهمية الآن؟
معادلة بسيطة في جوهرها منطلقها أن الجار الشمالي (المغرب) يمتلك خبرة عسكرية متقدمة، وبنية تدريبية متطورة، وعلاقات دفاعية قوية مع الولايات المتحدة وشركاء أوروبيين، إضافة إلى شبكة واسعة من العلاقات العسكرية الإفريقية.
موريتانيا، في المقابل، تمتلك موقعا لا يمكن تجاهله: حدود مباشرة مع فضاء الساحل، وامتداداً أطلسيا، وعلاقات متنامية مع المؤسسات الأمنية الغربية.
من خلال دمج هذه المزايا، يمكن للبلدين تطوير تعاون يتجاوز التنسيق التقليدي إلى قدرة مشتركة على مراقبة المجال الأمني الممتد بين الساحل والأطلسي.
قد يشمل ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الحدود، ومكافحة الإرهاب والتهريب، والأمن البحري، واستخدام الطائرات المسيرة، والأمن السيبراني، والتكوين والتدريب المشترك.
لكن الأهم هو بناء منظومة تسمح للبلدين بالتعامل مع التهديد قبل وصوله إلى حدودهما.
هل يدفع الناتو نحو هذه الشراكة؟
لا توجد مؤشرات على أن حلف شمال الأطلسي يعمل لإنشاء تحالف عسكري مغربي- موريتاني أو يدفع رسميا نحو استراتيجية دفاع مشترك بين البلدين.
لكن الاتجاه العام لسياسة الحلف في الجنوب يفتح المجال أمام تعاون أعمق.
بات الناتو يركز بصورة متزايدة على بناء قدرات شركائه المحليين، وتحسين تبادل المعلومات، وتطوير التعليم العسكري، وتعزيز الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، بدلا من الاعتماد فقط على الانتشار العسكري المباشر.
من هذه الزاوية، فإن تعزيز التعاون المغربي- الموريتاني يخدم منطق الشراكة الذي يريده الناتو في المنطقة.
كلما أصبحت القدرات الأمنية للبلدين أكثر تكاملا، أصبح بإمكان الولايات المتحدة والدول الأوروبية والناتو التعامل معهما كشريكين قادرين على رصد التهديدات واحتوائها داخل المنطقة نفسها.
قد تكون هذه نقطة مهمة في ظل صعوبة إعادة إنتاج نماذج التدخل العسكري الغربي المباشر التي سادت خلال العقد الماضي.
من التعاون الأمني إلى استراتيجية دفاع مشتركة؟
الانتقال إلى دفاع مشترك بالمعنى التقليدي يظل خطوة كبيرة، سياسيا وعسكريا، ولا توجد مؤشرات على أنها أصبحت مطروحة رسميا.
لكن بين التعاون الثنائي المحدود والتحالف العسكري الكامل مساحة واسعة.
وهذه المساحة قد تكون الأكثر واقعية بالنسبة إلى الرباط ونواكشوط.
فبدلاً من إنشاء تحالف جديد، يستطيع البلدان بناء منظومة دفاعية متدرجة تبدأ بتبادل المعلومات، ثم التدريب المشترك، وتنسيق مراقبة الحدود والمجال البحري، وصولاً إلى تطوير آليات مشتركة للاستجابة للتهديدات.
في حال ربط هذه المنظومة بالشراكات الأمريكية والأطلسية والإفريقية القائمة، فإن قيمتها ستتجاوز بكثير حجم البلدين.
ذلك أن الأمن في غرب إفريقيا لم يعد يُدار من خلال الحدود الوطنية وحدها. التهديدات نفسها أصبحت عابرة للحدود، وبالتالي تحتاج مواجهتها إلى قدرات وشبكات عابرة للحدود أيضاً.
لاعبون جدد يغيرون قواعد اللعبة
يزداد هذا الخيار أهمية مع دخول قوى جديدة إلى معادلة الساحل.
روسيا رسخت حضورها الأمني في عدد من دول المنطقة، بينما تحاول قوى إقليمية إعادة بناء نفوذها، في وقت تراجعت فيه قدرة القوى الغربية على العمل منفردة في بعض دول الساحل.
يعني ذلك، أن موريتاناي و المغرب ، لا يواجهان فقط تهديدا إرهابيا.
إنهما يتحركان داخل بيئة جيوسياسية أكثر تنافسا وتعقيدا، حيث أصبحت البنية الأمنية نفسها جزءا من صراع النفوذ.
من هنا، فإن تعزيز التعاون بينهما لا يمثل فقط استجابة للخطر القادم من الساحل، وإنما أيضا وسيلة لتثبيت موقعهما في النظام الأمني الإقليمي الجديد.
نحو خط دفاع على الأطلسي؟
قد يكون من المبكر الحديث عن “محور مغربي-موريتاني» أو “حلف دفاع” بالمعنى التقليدي.
لكن المؤشرات تسمح بالحديث عن شيء أكثر واقعية: خط أمني متصل من الساحل إلى الأطلسي، تكون الرباط ونواكشوط في قلبه، مدعوم ومعزز بشبكة من الشراكات مع الولايات المتحدة والناتو والدول الإفريقية.
المغرب يوفر العمق العسكري والتكنولوجي والخبرة والشراكات.
وموريتانيا توفر الموقع والامتداد نحو الساحل والأطلسي.
أما الشركاء الغربيون فيوفرون التكنولوجيا والتكوين والاستخبارات والقدرة على ربط هذه المنظومة بشبكات أمنية أوسع.
إذا جرى تنظيم هذه العناصر ضمن إطار أكثر تكاملاً، فقد يتحول التعاون الموريتاني – المغربي من علاقة ثنائية إلى جزء من بنية أمنية إقليمية جديدة.
المعادلة التي تفرض نفسها
الخطر القادم من الساحل لا يمنح المغرب وموريتانيا ترف التعامل معه كملف أمني منفصل.
فالجغرافيا تحكم بأن أي اضطراب كبير جنوب موريتانيا أو في عمق الساحل ستكون له انعكاسات على أمن الحدود والهجرة والجريمة المنظمة والأمن البحري والاستقرار الإقليمي.
في المقابل، فإن التحول الذي يشهده المغرب عسكريا وأمنيا، والتقارب المتزايد بين موريتانيا والناتو، يفتحان نافذة أمام صياغة تعاون جديد.
لذلك قد لا تكون المسألة في المرحلة المقبلة هي إنشاء “حلف” رسمي بين الرباط ونواكشوط، بقدر ما هي بناء قدرة أمنية مشتركة تتطور تدريجيا وفق طبيعة التهديد.
إذا نجح البلدان في استثمار موقعيهما وشراكاتهما الدولية، فقد يصبح التعاون الموريتاني- المغربي ، أحد أهم عناصر إعادة بناء الأمن في غرب إفريقيا.
* الشيخ أحمد أمين



