
في ظل ما يثار هذه الأيام من حديث متزايد عن تعديل وزاري مرتقب، وتداول أسماء وتكهنات، يبدو من الضروري أن نتفق جميعاً على أن تقييم أداء أعضاء الحكومة يجب أن يقوم على النتائج والمعطيات الموضوعية للمشاريع التي يتم تنفيذها، بعيداً عن منطق الشعبوية والشائعات والتكهنات.
ومن بين القطاعات الاستراتيجية التي تتطلب الاستقرار والاستمرارية، يبرز قطاع الطاقة، الذي يقوده معالي الوزير محمد ولد خالد في مرحلة خاصة تشهد إعادة تشكيل القطاع وتعزيز موقعه ضمن برنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وخطة الحكومة بقيادة معالي الوزير الأول.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن تعديل حكومي ينبغي ألا يحجب سؤالاً أكثر أهمية: هل من مصلحة المرحلة تغيير قيادة قطاع الطاقة في الوقت الذي توجد فيه على طاولة القطاع مشاريع وملفات هيكلية تتطلب استمرارية الرؤية، ومعرفة دقيقة بتفاصيل المشاريع، وقدرة على إدارة التفاوض والتنسيق مع شركاء دوليين متعددين مع ضمان التنفيذ المحكم لتعهدات فخامة رئيس الجمهورية ؟
الإجابة تميل إلى ضرورة الحفاظ على استمرارية الوزير محمد ولد خالد خلال هذه المرحلة التي تتطلب استكمال ما بدأه القطاع ليواصل المشوار الذي بدأه في تحويل المشاريع والبرامج إلى نتائج ملموسة.
أولاً: قطاع الطاقة ليس قطاعاً عادياً يمكن أن تُقاس نتائجه في دورة زمنية قصيرة. فهو يرتبط بمشاريع استراتيجية تمتد لسنوات، وباستثمارات ضخمة، واتفاقيات دولية، وبنية تحتية معقدة، وقرارات تؤثر في أمن الطاقة والاقتصاد الوطني لعقود. وبالتالي فإن تغيير المسؤول الأول عن القطاع في مرحلة تنفيذ المشاريع وبناء الشراكات سيؤدي، بالضرورة، إلى فترة انتقالية لإعادة الإحاطة بالملفات وإعادة ترتيب الأولويات، كما قد يؤدي إلى إرباك الشركاء وتأجيل القرارات في وقت تحتاج فيه موريتانيا إلى تسريع التنفيذ لا إلى إبطائه.
ثانياً: يقود محمد ولد خالد القطاع نحو مرحلة تتميز بالانتقال من التنظير والاستراتيجيات واكتشاف واستغلال الموارد إلى مرحلة التنفيذ. وتجسد ذلك في دخول موريتانيا عهدا جديدا قائماً على الشراكات بين القطاعين العام والخاص وفق مقاربة المنتج المستقل للكهرباء وبناء محطات الطاقة الكبرى، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز إنتاج الكهرباء، وتوسيع آفاق الغاز والتفاوض مع الشركات لجذبها للاستثمار في التنقيب والاستخراج. وكمثال، يقود محمد ولد خالد مشاريع طاقوية استراتيجية ستضيف أكثر من 800 ميغاوات إلى القدرة الإنتاجية الوطنية التي تقدر حاليا بنحو 600 ميغاوات على أكثر تقدير، وهي زيادة غير مسبوقة في تاريخ البلاد ترقى لأن تصنف كثورة في منظومة الإنتاج الكهربائي الوطني.
كل هذا يحتاج إلى وزير إداري وفني متمرس ومسؤول يمتلك القدرة على إدارة الجوانب الفنية والاقتصادية والدبلوماسية للمشاريع، وعلى متابعة تفاصيلها الفنية والمالية مع مختلف المتدخلين.
ثالثاً: من أهم عناصر القوة التي يتميز بها الوزير محمد ولد خالد قدرته على التواصل والعمل في بيئة دولية متعددة الأطراف. فإتقانه لعدة لغات، إلى جانب تكوينه وخبرته، يمنحه أدوات عملية للتعامل المباشر مع الشركاء الدوليين والمستثمرين والمؤسسات المالية والهيئات المتخصصة، وهي ميزة ذات أهمية خاصة في قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على الشراكات الدولية ونقل التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية.
وفي عالم الطاقة، لا تكفي معرفة الملفات من الناحية التقنية؛ بل إن القدرة على التفاوض، وفهم عقليات الشركاء، وشرح الأولويات الوطنية، وبناء الثقة، والتواصل المباشر مع المؤسسات الدولية، أصبحت جزءاً أساسياً من كفاءة الوزير.
رابعاً: شخصية الوزير وطريقة إدارته للقطاع تستحق هي الأخرى التوقف عندها. فقيادة قطاع استراتيجي كقطاع الطاقة تتطلب الانضباط، والقدرة على استيعاب الملفات المعقدة، وسرعة الإحاطة بالتفاصيل وتقديمها بكل وضوح لمؤسسة الرئاسة. كما تتطلب القدرة على التنسيق بين المؤسسات الوطنية والشركاء الخارجيين، وتحويل التوجيهات السامية إلى برامج ومشاريع قيد التنفيذ. وإلا كيف نفسر انسيابية عمله مع معاونيه وسلاسة تنسيقه مع مؤسسة الرئاسة والوزارة الأولى ؟
وهذه الصفات لها أهمية لأن الأمر يتعلق بقطاع يُعنَى بالسيادة الوطنية والأمن الطاقوي والاستثمار والمحافظة على المالية العامة وتعزيز العلاقات الدولية عبر المشاريع مما يساهم في تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية ويعزز نجاح حكومة معالي الوزير الأول.
إن موريتانيا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل مواردها من الغاز والطاقة المتجددة وبناء الشراكات بين القطاع العام والخاص إلى مشاريع طاقوية كبرى. وهذه الفرصة تتطلب، قبل كل شيء، وضوح الرؤية واستقرار القيادة وسرعة التنفيذ.
لذلك، وبعيداً عن الأسماء التي تتداولها منصات التواصل الاجتماعي، والتكهنات حول تعديل وزاري محتمل، فإن خلاصة القول، هي إن المرحلة الحالية هي مرحلة استكمال وتسريع بوتيرة التنفيذ. وبحكم أن قطاع الطاقة يوجد في قلب برنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، فإن الإبقاء على قيادة تمتلك معرفة بالملفات، وخبرة في التعامل مع الشركاء، وقدرة على التواصل، وفهماً لطبيعة المرحلة، قد يكون أكثر انسجاماً مع متطلبات الاستمرارية والكفاءة وبناء الثقة مع الشركاء والممولين.
عبد الله عبد الرحمن



