ماذا قال الوزير.. أم كيف حرّك يده؟ / محمد نعمه عمر

تؤدي الصحافة دورًا أساسيًا في مساءلة المسؤولين وإطلاع الرأي العام على أدائهم، ويظل وزير الثقافة والناطق باسم الحكومة، محمد ولد ببانه، معنيًا بهذه المساءلة شأنه شأن سائر أعضاء الحكومة. غير أن قيمة النقد ترتبط بدقته وإنصافه، وبقدرته على التمييز بين ما يكشف قصورًا في الأداء وما يندرج ضمن التفاصيل العادية للمشهد.

 

ومن هذه الزاوية، تستحق التغطية التي نشرتها وكالة «الأخبار» للمؤتمر الصحفي الأخير وقفة هادئة. فقد منحت مساحة لافتة لحركات الوزير وإيماءاته وطريقة انتقاله بين مقعده والمنصة، وصولًا إلى تكرار وصف حركة إبهامه. وهي تفاصيل يصعب، في حد ذاتها، استخلاص حكم مهني منها بشأن كفاءته أو قدرته على إدارة المؤتمر.

 

لا يتعلق الأمر بالاعتراض على الوصف الصحفي، فهو جزء مشروع من نقل الوقائع، وإنما بطريقة توظيفه والوزن الذي يُمنح له. فحين تتتابع هذه التفاصيل مقرونة بعبارات مثل «الفوضى» و«المراوغة» و«المعاناة»، تنشأ لدى القارئ صورة سلبية عن شخص الوزير، قبل أن تتاح له عناصر كافية لتقييم مضمون حديثه وأجوبته. وهذا ما يمنح التغطية طابعًا يوحي بالتحامل، بصرف النظر عن نية كاتبها.

 

وكان الأجدر أن تتقدم الأسئلة المتصلة بأداء الحكومة: ما المعلومات التي قدمها الوزراء؟ وما مدى وضوح أجوبتهم؟ وأي القضايا بقيت دون توضيح؟ أما اختيار صحفي لطرح سؤال، أو الاستعانة بإشارة من زميلة لتنظيم تعاقب المداخلات، فلا يكفي وحده لإثبات المراوغة أو الارتباك. وإذا وُجد إخلال بعدالة توزيع الأسئلة، فإن عرضه بوقائع محددة سيكون أكثر إقناعًا وفائدة للقارئ.

 

والتقرير نفسه يورد أسبابًا متعددة للاضطراب داخل القاعة، منها تأخر بعض الحاضرين، وحجب الرؤية عن المصورين، وتبادل المقاطعات، ومشاهدة أحد الموجودين مباراة أثناء المؤتمر. وهذه الوقائع تستدعي النظر إلى المسؤولية التنظيمية وسلوك الحاضرين معًا، وتدعو إلى الحذر من ربط أجواء المؤتمر بأداء الناطق باسم الحكومة وحده.

 

كما أن مطالبة المتحدث باختصار مقدمته، أو انتظار انتهاء الوزير من الإجابة، يمكن أن تكون من مقتضيات إدارة الوقت وضمان استفادة الجميع. ويظل الحكم عليها مرتبطًا بطريقة تطبيقها، ومدى احترام الصحفيين، وإتاحة فرص متكافئة للسؤال والمتابعة.

 

وفي المقابل، فإن ما أورده التقرير بشأن أسئلة لم تلق جوابًا واضحًا يستحق المتابعة المهنية. فحق الجمهور في المعرفة يقتضي الإلحاح في طلب التوضيح، ومناقشة الأجوبة ونقدها عند الحاجة. وهذا هو المجال الذي تكون فيه المساءلة أكثر أثرًا، وتقدم فيه الصحافة خدمة مباشرة للرأي العام.

 

ومن الإنصاف أيضًا إدراج ما ذكرته خاتمة التقرير من بقاء الوزير في القاعة لمصافحة الصحفيين والحديث معهم حتى مغادرتهم. فهذه الواقعة تدخل في تقييم علاقته بالإعلام، إلى جانب أي ملاحظات على أدائه، وتستحق وزنها في قراءة متوازنة للمشهد.

 

لا يمنح التعيين الحديث صاحبه إعفاءً من النقد، لكنه يدعو إلى تقييم يستند إلى الوقائع، ويمنح التجربة فرصة لأن تتضح معالمها. ومن حق محمد ولد ببانه أن يُساءل عن قراراته وتصريحاته وأدائه، وأن يجد، في الوقت نفسه، تغطية لا تجعل من حركاته الشخصية أساسًا للحكم عليه.

 

ولوكالة «الأخبار»، بما لها من حضور في المشهد الإعلامي، مسؤولية في صون هذه المسافة بين نقل الوقائع وتوجيه الانطباعات. فالاختلاف مع المسؤول، مهما اتسع، يظل أكثر إقناعًا حين يقوم على الحجة، ويحفظ للأشخاص اعتبارهم وللصحافة مكانتها.

 

 

محمد نعمه عمر

 

 

Exit mobile version