لا تحتاج الحكومات إلى من يسيئ على الناس بقدر ما تحتاج من يوضح سياساتها بصدق ودراية

في بعض اللحظات التاريخية، لا يكون الخلل في الهزيمة نفسها، بل في طريقة ونوعية أختيار الأدوات المستخدمة فى المعارك أو الصراع . يُحكى أن أبو سفيان بن حرب تفاخر يومًا أمام هند بنت عتبة بسيوف قريش بعد غزوة بدر، فجاءه الرد قاسيًا: من هند بنت عتبة قبحها الله من سيوف فما أغنت عنا شيئ يوم بدر؟

اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة. لم تعد السيوف هي موضع التفاخر، بل الخطاب الإعلامي. ولم تعد الهزيمة عسكرية، بل عجزًا في تبرير سياسات تمسّ حياة الناس مباشرة.

سيدي الوزير،

ما الذي أغنت عنكم صحافتكم حين عجزت عن الدفاع عن قرار وجيه : فرض ضرائب على سلع كمالية؟ بل كيف بلغ بها العجز إلى قبول تحوّل النقاش إلى تبرير فرض أعباء على سلع أساسية تمسّ الفئات الأكثر هشاشة: حليب الأطفال، السكر، الدقيق، البيض، والدجاج؟ هنا لا يصبح الجدل اقتصاديًا، بل أخلاقيًا قبل كل شيء.

إن مبدأ “إعادة توزيع الدخل” ليس ترفًا فكريًا، بل أحد أعمدة السياسات الاقتصادية الحديثة. تقوم فكرته ببساطة على تحميل القادرين نصيبًا أكبر من الأعباء، ثم إعادة توجيه الموارد المتحصلة نحو من هم في أمسّ الحاجة إليها، عبر التعليم والصحة والبنية التحتية. فكيف يُساء فهم هذا المبدأ أو يُغفل، بينما يُفترض أنه من بديهيات أي خطاب اقتصادي مسؤول؟

الأخطر من القرار نفسه، هو الخطاب الذي رافقه. خطاب يستبدل الحجة بالزخرفة اللغوية، ويبحث في المعاجم عن ألفاظ مهجورة بدل أن يبحث في الواقع عن حلول ملموسة. لقد تجاوز العالم منذ زمن طويل مرحلة الإبهار اللغوي كبديل عن الإقناع، لأن المواطن لا يحتاج إلى قاموس لغوي… بل إلى تفسير واضح لما يُفرض عليه من أعباء.

إن الدفاع عن السياسات العامة لا يكون بالتذاكي اللغوي، بل بالوضوح والصدق. ومن يعجز عن تبرير قرار واضح في منطقه كقرار هاذه التعرفة، سيكون أعجز عن الدفاع عن قرارات أكثر تعقيدًا.

سيدي الوزير،

ليست المشكلة في إحتضانكم لصحافة ورعايتكم لها ، بل في أختيار الصنف الذي يصلح للشتم والذم ويجيد قبيح الكلام أكثر من صياغة الأفكار ومقارعة الحجج . فالصحافة التي لا تشرح قرارات الحكومة وتقدر على تبريرها، تترك المجال مفتوحًا للغضب وسوء الفهم. كماحدث في هاذه الحالة التي يعجز من له دراية بعلوم الإقتصاد عن فهمها

وفي النهاية، لا تحتاج الحكومات إلى من يسيئ علي الناس بقدر ما تحتاج إلى من يوضح سياساتها بصدق ودراية.

Exit mobile version